محمد محمد أبو ليلة
58
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
أولا : يطلق هذا اللفظ ويراد به " الجماعة " بمعنى جماعة ، أو مجموعة الحروف ، قال أبو عمرو الشيباني " خرج القوم بآيتهم " أي بجماعتهم وجملتهم . قال أبو بكر : سميت " الآية " من القرآن " آية " لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام ؛ وقال ابن حمزة " الآية " من القرآن ، كأنها العلامة ، التي يفضى منها إلى غيرها ، كأنها الطريق المنصوبة للهداية ، كما قال الشاعر : [ إذا مضى علم منها بدا علم ] . وفي حديث عثمان بن عفان رضي اللّه عنه في الجمع بين الأختين بملك اليمين ( أحلّتهما آية ، وحرّمتهما آية ) ، قال ابن الأثير : الآية المحلة ، قوله تعالى : أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ( النساء : 3 ، 24 ، 36 ) ، والآية المحرمة قوله : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ( النساء : 23 ) . ونقول إن " الآية " سميت بهذا أيضا ، لا لكونها علامة على الحلال والحرام وأمارة بين اللّه وعبادة فحسب ، بل إنها سميت كذلك ، إشارة على إعجاز كلام اللّه تعالى . فكلام اللّه ، آيات وعجائب في لغات بين الإنسان ، بارزة ، ومميزة ، ثابتة بحرفها ونصها ، متجددة بمعانيها ومراميها ؛ والقرآن كلّه آية باقية على الأزمان ، ليس له فيما عرفه الإنسان من آداب أو بلاغات مثال . و " الآية " أيضا بهذا المعنى تفيد " العبرة " - كما أشرنا إليه سلفا - ويؤيد ذلك قوله تعالى : لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ( 7 ) أي عظات وعبر ؛ كيف انتصرت البراءة والصدق على الحقد والكذب ؛ كيف عزّ المتوكلون ، وذل الماكرون المحتالون ، كيف قال الإخوة الأعداء : اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً أي تخلصوا منه ، يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ، وكيف صاح خادم السيارة : يا بُشْرى هذا غُلامٌ ، وكيف قال عزيز مصر : أَكْرِمِي مَثْواهُ ، وكيف قالت له زوج العزيز : هَيْتَ لَكَ ، وكيف قال الملك : ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ، وقال له بعد أن كلّمه : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ وكيف غلبت الطاعة غلبة الشهوة ، وتحول حبّ الأبدان إلى حب الديّان ، وكيف خرج يوسف من البئر المظلم ، وبيع بالثمن البخس ، مع الزهد فيه ، ووصل إلى سدة العرش ، وإدارة شؤون الأرزاق ، في بلد ليس له فيه نصير إلا رب العالمين !